PNCR
 
عندما تتعطل العدالة ينمو الاحتلال ويؤدلج الإرهاب

العدالة مفهوم كوني يخص جميع البشر والأفراد على مر التاريخ بل هي المطلب الجماعي الاشمل للتخلص من كافة أشكال القهر والحرمان والتخلف وهي المطلب الإنساني، الشرعي، التاريخي لمن فقد الهوية والوطن والحقوق وهي الوجه الآخر للظلم والجبروت والألم الذي يلازم عالمنا اليوم وهي الرأي الآخر لمن يعتبرون أنفسهم فوق الإرادة والقانون والبشر.

ولقد بدت أولى مفاهيم العدالة تتجسد في المدينة الفاضلة لأفلاطون من خلال تأسيس إرادة جماعية للعدالة دون صعوبة في وضع حدود صارمة بين الطبقات، وكذلك كافة الديانات السماوية حاولت أن تبث رسائل حول مفهوم العدالة والمساواة بين البشر على قاعدة العدل الإلهي، وجاءت الفلسفة الوضعية بنزعة تفاؤلية حول مبادئ الدولة الحديثة ومفهوم الحرية، وكذلك الأمر بالنسبة للفلسفة الماركسية التي رأت بان العدالة توجد عندما تلغى الطبقات والاستغلال لبني البشر .

بمعنى أن الرؤى والأفكار حول العدالة والمساواة والحرية هي تاريخية وليست وليدة اللحظة وان هم البشرية والمستضعفين في الأرض هو أن يشعروا بأنهم أحياء ولهم حقوق كغيرهم بما انهم يتمتعون بكل المؤهلات الإنسانية وان لهم أسماء وسمات وقسمات، ولهم اصل وعائلة ولهم ارض وتاريخ وتراث.

ولعل ذلك هو التحدي الأكبر للامة والآسرة الدولية لإنهاء الحروب في العالم عن طريق مداواة أسبابها ومعالجة نتائجها، وهنا يطرح موضوع العدالة نفسة " إذا ظل المغلوب اكثر مما ينبغي" وإذا بقي الظالم ينتج أساليب وأدوات القمع الحديثة على مرأى ومسمع العالم وبتشجيع سياسي منه لانتهاك حقوق البشر وكرامتهم وأصولهم، فانه يسعى إلى خلق حالة من الفوضى وضياع للقيم والإخلاق واضطراب حول المفاهيم الإنسانية.

ولقد حاولت الاسرة الدولية أن تنظم العلاقات فيما بينها وان تؤسس لمعايير تحكمها وتحل إشكالياتها وصراعاتها فأنتجت مجموعة من القوانين والمعاهدات الدولية التي عرفت فيما بعد بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني الذي يطبق على الجميع دون تفرقة أو استبعاد أو تمييز حتى يشعر البشر بالعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية وبالتالي تكون الفرص مهيأة لاحلال السلام وإرجاع الحقوق إلى أصحابها وإنصاف المظلومين وهذا يتطلب إرادة سياسية قوية وألا يبقى سلام ناقص أو كما أطلقت علية المناضلة الغواتيمالية الحائزة على جائزة نوبل للسلام" سلام بدون عدالة هو سلام رمزي أو اسمي ليس إلا" وبالتالي مسالة السلام والأمن مشروط دائما بمسالة العدل .

وحتى يتمتع العالم بالعدالة فلا بد له من إعادة اعتبار لأهم بعد من أبعادها وهو القانون الدولي الذي وضعه وتعهد بالالتزام به وهذا بعد أخلاقي قيمي أول أو ما يسمى بالعدالة الشرعية ، وهذا شرط ضروري لصمود السلام واستمراريته.

أما الاعتبار الآخر فهو العدالة التصحيحية أو التعويضية وهي أن يتم تقليل الشعور بالظلم والقهر من خلال تعويض الآخرين عما فقدوه وخسروه من أموال وبيوت وممتلكات، إضافة إلى تقديم المسؤولين عن الظلم والقهر والمجازر إلى المحكمة الدولية لنيل عقابهم، وان لم يتحقق هذا البعد فان التمرد والثورة والانتفاضة ستكون قاب قوسين أو ادنى، في محاولة للفت النظر إلى الحقوق العامة والجماعية وكذلك الحقوق الفردية للأشخاص، وستبقى المعادلة كما هي ويتسع نظام الدوائر والحلقات المفرغة وتتشابك وتتعقد ويتم إعادة إنتاج آخر للقهر واعادة إنتاج آخر للمفاهيم.

أما البعد الأخر للعدالة وتطبيقها وهي العدالة التوزيعية والشعور العام بتكافؤ الفرص والمساواة وعدم التمييز وعدم ازدواجية المعايير وان لا يكون هناك أناس فوق القانون وهذا بأم عينة الشعور بالأنصاف والحق باعتباره الشيء الضروري الذي من العدل أن نملكه أو نعمله دون استجداء أو شفقة أو منه من أحد .

لعل ذلك يعطينا الإطار النظري للإشكالية الدولية والتي تكمن في تقويض أسس العدالة وتهميشها وإيقاع الشلل والمرض ببعدها الإنساني والقيمي، ويكفينا أن نشير إلى أن اكثر من 5 ملايين قتيل سقطوا منذ عام 1989 بسبب الحروب والصراعات، وان اكثر من 80% من القتلى هم ضحايا من المدنيين الذين لا يشكلون خطرا على أحد ولا يحملون السلاح .

إمام هذه المعادلات وأمام هذا السكوت على تقويض القيم وتعطيل العدالة فان المصير محتوم والفرص تكون متاحة بولادة أشكال أخرى للقهر والعنصرية وإيقاع الأذى الجماعي بالبشر.

ولا شك أن الشكل الأكثر تنظيما ورواجا اليوم هو الاحتلال كفكرة وفلسفة وواقع بكل مقوماته وأدواته وطرق عمله، سواء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية أو الاحتلال الأمريكي للعراق الذي يعتبر حضاريا اكثر من حيث الكم الهائل للشعارات بدعوى نشر الحرية والتقدم والديمقراطية ومكافحة التخلف وإنصاف المظلومين، ولا يخفى علينا الشكل والمضمون والوصف الوظيفي للاحتلال ودورة في إعاقة التقدم الاجتماعي والحضاري وفي إلحاق الألم بأكبر كم ممكن من الناس لضمان سيطرته وديمومته، بل اخذ الاحتلال الشكل المتعدد للجنسيات أو الاحتلال العابر للقارات مما يعني أن الفكرة لها مؤيدوها وتجارها والناطقين باسمها. وهذا يعني تزايد في نسبة المظلومين وضياع اكثر للحقوق واخفاق اكبر لمفهوم العدالة.

واذا كانت فكرة الاحتلال تقوم على القوة فان الممارسات التي تنفذ ضد السكان الأصليين من قتل جماعي ومجازر كما يحصل في الأراضي الفلسطينية ومن سياسة إغلاق واعتقال ومصادرة واخيرا إقامة جدار الشلل والفصل العنصري للأراضي الفلسطينية بدعوى الأمن والحفاظ علية ما هو إلا شكل مؤلدج لإرهاب الدولة المنظم والمخطط والمصاغ بشكل يمكن تمريرة على العالم بحجة الأمن والبقاء والحماية للكيان الصهيوني، ولكون فكرة العدالة الدولية معطلة وفكرة المقاومة للاحتلال بكافة الوسائل المتاحة والتي تؤكد شرعيتها كل القوانين والمواثيق والشرائع تسمى إرهاب.

وبذلك فإننا إرهابيون حتى النهاية لأننا متمسكون بحقوقنا ولأننا ندرك بان الحق لا يعطى ولأننا مؤمنون بان العدالة هي مطلب أنساني بحاجة إلى إرادة سياسية قادرة على إعادة ترميم واحياء ثقافي وتنموي لها لإنصاف المظلومين في العالم، وامتصاص الكم الهائل من مشاعر الغضب اتجاه سياسات الظلم والفساد والفوضى والاضطهاد والتمييز، وإلا اصبح العالم اسود، قاتم، مليء بآلالم فاقد الإحساس والشعور.