PNCR
 
حين يصبح الظلم قانوناً تصبح المقاومة واجباً

الاطفال الفلسطينيون يتدربون على السلاح في المخيمات الصيفية.

الفلسطينيون يزجون بأبنائهم في الصفوف الأمامية من مناطق المواجهات بين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي.

مجموعة فلسطينية مسلحة تحاول تفجير صبي فلسطيني على حاجز حوارة.

تلك هي قنابل اعلامية فجرتها ماكنة الاعلام الاسرائيلية، من أجل جذب انتباه وسائل الاعلام العالمية لها، وتشتيت الانتباه عن الفظائع التي يرتكبها جيش الاحتلال الاسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين بما فيهم الأطفال، من قتل واعتقال وتدمير للمنازل ومصادرة للأراضي وحصار وفرض لمنع التجول واجتياح وقصف للمناطق المدنية الآهلة بالسكان، وترويع للأطفال، وحرمانهم من حقهم بالتعليم ومن الوصول الى أماكن الإستشفاء.

وفي ظل غياب او تغييب القانون والانقضاض عليه وخروج بعض الدول عنه، بحجج وذرائع متعددة، التي من ضمنها عدم انطباق هذا الجزء من القانون على الشعوب التي تخضع للاحتلال أو تحرير الشعوب من بطش الطغم الحاكمة ونشر الديمقراطية، فان المعركة انتقلت من ذمة القانون الى ذمة الاعلام لا سيما الاعلام الذي يستند على الكذب والمبالغة.

 

لم تساهم هذه الفرقعات الاعلامية التي لا تستند الى حدث واقعي خبرا فحسب، انما ساهمت أيضاً في تشويش استيعاب مقولة "نبوءة" روزا لوكسمبورغ التي قالتها قبل ما يزيد عن ثمانية عقود " حين يصبح الظلم قانوناً تصبح المقاومة واجباً". وعلى الرغم من ان هذه المقولة هي صياغة منطقية للواقع، الا ان الحرب عليها اتخذت صورا وأشكالا متعددة، تمثل بمنطق القوة والغطرسة والاخضاع، وفي عصر الانفجار الاعلامي الهائل تم تطويع هذه الادوات لإرغام المظلوم على الاستئناس لعملية الظلم الممارسة عليه، علاوة على ذلك الهجوم على المظلوم لدرجة وصلت لادانته واتهامه بالارهاب اذا حاول رفع الظلم عن ذاته.

فنضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال العسكري لأراضيه ومحاولة إخضاعه بالقوة العسكرية، حق كفله القانون الدولي للشعوب لتقرير مصيرها وللتحرر من نير الاحتلال. ولكن، واجب مقاومة الاحتلال، الذي هو حق بالأساس، أصبح في هذا الزمن بحاجة لمن يدافع عنه.

 

ونتاج للنجاحات التي حققها الاعلام الاسرائيلي من خلال هذه الفرقعات، فان خبراء الاعلام في اسرائيل نصحوا وزارة الخارجية الاسرائيلية في الآونة الاخيرة، بتلوين جدار الضم الاسرائيلي بألوان زاهية من أجل تخفيف الرفض الدولي لفكرة الجدار، في محاولة لإخفاء جسم الجريمة خلف الألوان الزاهية.

 

قد تبدو هذه الفكرة من وجهة نظر المكتوي بنار الجدار استهتاراً بعقول الشعوب، كما كان الحال عليه بالنسبة لفكرة تدريب الأطفال الفلسطينيين على السلاح وزجهم للصفوف الأمامية من مناطق المواجهات بين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي. فعلى الرغم من مجافاة هاتين الفكرتين للحقيقة الا أن أصداء هذه الأفكار لا زالت تتفاعل في مختلف وسائل الاعلام العالمية حتى الوقت الحاضر بالرغم من مضي ما يزيد عن ثلاثة سنوات على اطلاقهما.

 

قوة هذه الافكار لا تنبع من حضورها وتكرارها في وسائل الاعلام فحسب، انما أصبحت جزءاً من الخلفية المعرفية للمتلقي للمادة الاعلامية سواء كانت هذه المادة الاعلامية من وسائل اعلام اسرائيلية او داعمة للرواية الاسرائيلية فيما يجري في المناطق الفلسطينية المحتلة او من وسائل اعلام فلسطينية او عربية او داعمة للرواية الفلسطينية، على اعتبار ان العملية الاعلامية ليست مجرد عملية ارسال واستقبال انما هي عملية تفاعل بين المرسل والمستقبل، فالمستقبل يصبح مرسلاً من خلال تغذيته الراجعة ومن خلال تفاعله مع الخبر ووضعه ضمن منظومته المعرفية.

كما تنبع قوة هذه الافكار ايضا من نسيجها الدرامي المحبوك بشكل متقن، ومن كمية الخيال المشبعة بها، بحيث لا تبلغ هذه الدراما ذروتها بقتل طفل أو مجموعة من الأطفال الفلسطينيين، ولا يعتبر قتل الأطفال الفلسطينيين وفقا لهذا السيناريو حدثا تراجيديا، اذا اعتمدنا تعريف التراجيديا بأنها السقوط اللاعقلاني او غير المتوقع، فوفقا لهاذا المنظور أصبح قتل الاطفال الفلسطينيين متوقعا ولا يشكل حدثا تراجيديا بالمعنى الدرامي والاعلامي للكلمة، كونهم يرسلون للخطوط الأمامية من مناطق الاشتباك، كما يحاول الاعلام الاسرائيلي أن يصور الواقع، اضافة الى كونه حدثا متكرراً، بحيث لم يعد يشكل مادة إعلامية دسمة تثير شهية وسائل الاعلام.

فكما كانت فكرة إرسال الاطفال الفلسطينيين للخطوط الامامية للمواجهات Awful بحيث كانت كفيلة بايقاظ الضمير العالمي من السبات الذي كان يغط فيه فان فكرة طلاء جدار الضم العنصري ستصبح Fantastic ومن المحتمل ان يدخل هذا الاختراع الاسرائيلي كتاب غينس للأرقام القياسية، كأطول لوحة فنية عرفها التاريخ.

ولا غرابة في ذلك، فوجه الشبه بين هذه اللوحة الفنية وبين فنون الحضارات الاخرى كسور الصين العظيم والأهرامات وتاج محل انها قامت على عذابات وآلام و دماء الالاف من الجماهير المسحوقة التي بنت هذه المعالم الحضارية التي تعكس الوجه المشرق لهذه الحضارات، ومستوى الفن الرفيع الذي بلغته هذه الحضارات، دون ان يتم استذكار الآلام التي اختبرها الآلاف ممن قضوا تحت هذه الملامح "الحضارية".

 

كذلك الحال بالنسبة لجدار الضم العنصري، فإن الألوان الزاهية التي ستغلف هذا الجدار ستحاول ان تطوي معها الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان الفلسطيني، ونزع ملكيات الأراضي والعواقب المتعلقة ببناء الجدار العنصري على حياة المواطنين الفلسطينيين، الذي فاقم من معاناتهم، وزاد من ظروف الحصار قسوة، من خلال عزله للقرى الفلسطينية وتحويلها الى سجون ومنع المواطنين من الوصول الى مصادر رزقهم، ودمر الممتلكات، وجرف المزروعات وقطع الأشجار المثمرة، وحال دون وصول أهلها اليها تمهيدا لمصادرتها نهائيا.

 

الغريب في الأمر ان الاقتراح الاسرائيلي بطلاء جدار الضم العنصري ترافق مع اقتراح الجمعية العامة للامم المتحدة بتحويل ملف الجدار لمحكمة العدل الدولية لإبداء رأي استشاري بالموضوع. فلم تكتف اسرائيل بالطعن باختصاص محكمة العدل الدولية في النظر في مثل هكذا قضايا، ومقاطعة جلسات المحكمة، ولكن الاستهتار الاسرائيلي بالشرعية الدولية وبالقانون الدولي وصل لدرجة تلوين الجدار لإمتصاص نقمة المجتمع الدولي على هذا الجدار، ولم يؤثر كل ذلك على مضيها في اقامة الجدار وفي مصادرة الاراضي الفلسطينية وتحويلها الى كانتونات معزولة.